الشنقيطي
63
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الظاهر في معناه أن الفرقان هو الكتاب الذي أوتيه موسى ، وإنما عطف على نفسه ؛ تنزيلا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات ؛ لأن ذلك الكتاب الذي هو التوراة موصوف بأمرين : أحدهما : أنه مكتوب كتبه اللّه لنبيه موسى عليه ، وعلى نبينا الصلاة والسلام . والثاني : أنه فرقان ، أي فارق بين الحق والباطل ، فعطف الفرقان على الكتاب ، مع أنه هو نفسه نظرا لتغاير الصفتين . كقول الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم بل ربما عطفت العرب الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظ فقط ، فاكتفوا بالمغايرة في اللفظ . كقول الشاعر : إني لأعظم في صدر الكميّ على * ما كان فيّ من التجدير والقصر والقصر هو التجدير بعينه . وقول الآخر : وقددت الأديم لراهشيه * وألفي قولها كذبا ومينا والمين هو الكذب بعينه . وقول الآخر : ألا حبذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها الناي والبعد والبعد هو النأي بعينه . وقول عنترة في معلقته : حييت من طلل تقادم عهده * أقوى وأقفر بعد أم الهيثم والإقفار هو الإقواء بعينه . والدليل من القرآن على أن الفرقان هو ما أوتيه موسى . قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ [ الأنبياء : 48 ] الآية . قوله تعالى : إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ [ 54 ] . لم يبين هنا من أي شيء هذا العجل المعبود من دون اللّه ؟ ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [ الأعراف : 148 ] ، وقوله : وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [ طه : 87 - 88 ] ، ولم يذكر المفعول الثاني للاتخاذ في جميع القرآن ، وتقديره : باتخاذكم العجل إلها ، كما أشار له في سورة طه بقوله : فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [ طه : 87 - 88 ] . قوله تعالى : وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [ 63 ] .